الشيخ السبحاني
49
مفاهيم القرآن
12 - الربا ذلك الاستغلال الجائر كان العرب الجاهليّون يرون البيع والربا متماثلين ، ويقولون : « إنّما البيع مثل الربا » فيضفون الشرعيّة على الربا كإضفائها على البيع ، ولكن شتّان ما بين البيع والربا ، فإنّ الثاني ينشر القسوة والخسارة ، ويورث البغض والعداوة ، ويفسد الأمن والاستقرار ، ويهيء النفوس للانتقام بأية وسيلة ممكنة ويدعو إلى الفرقة والاختلاف سواء كان الربا مأخوذاً من قبل الفرد أو مأخوذ من جانب الدولة . وفي الثاني من المفاسد ما لا يخفى إذ أدنى ما يترتّب عليه تكديس الثروة العامّة ، وتراكمها في جانب ، وتفشّي الفقر والحرمان في الجانب الآخر ، وظهور الهوّة السحيقة بين المعسرين والموسيرين بما لا يسدّه شيء . ولسنا هنا بصدد بيان هذه المفاسد والمساوئ ، لكن الهدف هو الإشارة إلى أنّ الربا كان من دعائم الاقتصاد الجاهلي ، والقرآن نزل يوبّخ العرب على ذلك بوجه لا مثيل له ، ويقول سبحانه : « يَا ايُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرَّبَا انْ كُنْتُمْ مُؤمِنِينَ * فإنْ لَمْتَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وان تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤوسُ امْوالِكُمْ لَا تَظلِمُونَ وَلَاتُظْلَمُونَ » ( البقرة / 278 و 279 ) . ويقول سبحانه : « الَّذينَ يأْكُلُونَ الرِّبا لَا يَقُومُونَ إلّا كَمَا يَقُومُ الَّذي يَتخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ ذَلكَ بِانّهُمْ قَالُوا انّمَا البَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا » ( البقرة / 275 ) . والآية تشبّه آكل الربا بالممسوس المجنون ، فكما أنّه لأجل اختلال قوّته المميّزة لا يفرّق بين الحسن والقبح ، والنافع والضار ، والخير والشر ، فهكذا حال المرابي عند أخذ الربا ، فلأجل ذلك عاد لا يفرّق بين الربا والبيع ، ويقول : « انّمَا البَيَعُ مِثْلُ الرِّبَا » مع أنّ الذي تدعو إليه الفطرة وتقوم عليه الحياة الاجتماعية للإنسان ، هو أن يعامل بمعاوضة ما عنده من المال الذي يستغني عنه ، بما عند غيره من المال الذي يحتاج إليه .